بقلم : عياد البطنيجي
الناشر: مجلة شؤون الأوسط، العدد 133، صيف/خريف 2009. مجلة محكمة فصلية تصدر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق، تعنى بالاستراتيجيات الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط.


تعمل إيران على تعزيز علاقاتها التجارية والعسكرية وتوطيد التعاون المشترك على أصعدة متعددة مع عدد من الدول اللاتينية في طليعتها فنزويلا وبوليفيا ونيكاراجوا والإكوادور. حيث إن تطوير وتفعيل التعاون الإيراني مع هذه الدول أمسيا من أولويات السياسة الخارجية الإيرانية، بغية تشكيل تحالف سياسي مضاد للهيمنة الأمريكية. هذا التحالف، الذي يقع ضمن المجال الحيوي للولايات المتحدة الأمريكية، يضم إيران وعددا من دول أمريكا اللاتينية، وبخاصة مع قيادات اليسار الجديد المناهض للعولمة، وسياسات الليبرالية الجديدة، والرأسمالية المتوحشة.
يثير التقارب الإيراني مع المنظومة اللاتينية استياء ومخاوف أركان الإدارة الأمريكية والإسرائيلية. فحصول إيران على الدعم الدبلوماسي من هذه الزعامات السياسية اليسارية التي وصلت إلى سدة الحكم في أمريكا اللاتينية، خلال السنوات القليلة الماضية، يشكل رافعةً سياسيةً ودبلوماسيةً لطهران فيما يخص المسألة النووية فضلا عن الطاقة. زد على ذلك، إن هذا التقارب يعتبر كسرا لمساعي العزلة الدولية التي ترمى الولايات المتحدة والدول الغربية من ورائها إلى إجبار إيران على وقف تخصيب اليورانيوم. لذا فهو من المنظار الأمريكي يشكل تحديا سافرا لسياستها هذه.
والحقيقة ليس التقارب الإيراني مع الدول اللاتينية هو فقط ما يثير المخاوف الأمريكية والإسرائيلية، بل يمكن القول إن حركية ونشاط السياسية الخارجية الإيرانية في هذه الغضون يؤرق واشنطن وتل أبيب معا، فكلاهما يعمل على مراقبة ورصد سياسة إيران الخارجية ودبلوماسيتها في شكل كبير جدا، وكلاهما يرصد موازنات ضخمة لهذا العمل.
هذا التطور الجديد في العلاقات بين إيران ومنظومة الدول اللاتينية، جعل الولايات المتحدة وإسرائيل تدقان ناقوس الخطر، ولا تترددان في التحذير العلني مما يعتبره الجانبان "الغزو الإيراني لأمريكا اللاتينية".
ومن المقرر أن يزور ليبرمان أميركا اللاتينية وأفريقيا أيضا في إطار «حملته الدبلوماسية للتصدي لتنامي نفوذ إيران». ويعتزم نائب وزير الخارجية، داني ايالون، بالتوجه إلى واشنطن لإجراء محادثات في البيت الأبيض ووزارة الخارجية بغرض محاربة النفوذ الإيراني الذي يزداد باضطراد. وحتى وزير الخارجية الإسرائيلية الجديد، أفيغدور ليبرمان، "فقد دق ناقوس الخطر في وزارة الخارجية حينما طلب من موظفي الوزارة التركيز أكثر على تعميق وتوطيد الصلات والعلاقات المثمرة مع أفريقيا وأمريكا اللاتينية بسبب تحولهما إلى مناطق صديقة لإيران". لذا، يعكف مكتبه حاليا على إعداد خطة شاملة من خلال تجميع ملفات كاملة عن عدد من الدول التي سوف تشملها جولات ليبرمان القادمة، لإمكانية إقناعها بما تقوم به إسرائيل ضد طهران، ومن ثم الحصول على تأييدها بطرق مختلفة، تبدأ من إبرام صفقات سياسية إلى عرض مساعدات إسرائيلية في مجالات مختلفة، بحسب ظروف كل دولة، والهدف الوحيد من ذلك هو الحصول على موقف داعم للسياسة الإسرائيلية ضد البرنامج النووي الإيراني، والذي تراه إسرائيل موجها ضدها في المقام الأول.
ويبدو أن التحفظات والمخاوف الأمريكية مفهومة بحكم ضغوط الجغرافيا السياسية، لاسيما وأن التمدد الإيراني يقع في الحديقة الخلفية والمجال الحيوي التاريخي للولايات المتحدة الأمريكية، وفي خاصرتها التي تكنّ لها مشاعر الغضب والكره والإحباط الذي يسود دول أمريكيا اللاتينية جراء سياسات واشنطن إزاء هذه البلدان التي ما فتئت واشنطن تتعامل معها باستغلال وعنصرية واستعلائية.
إن عامل الجغرافيا السياسية الذي يثير مخاوف واشنطن هو نفسه يثير مخاوف تل أبيب. فالمسافة بين إسرائيل وإيران 1200 كم2 تقريبا، والهواجس التي تؤرق العقل الاستراتيجي الإسرائيلي تتجسد فيما كشفته وثيقة رسمية إسرائيلية نشرت في 27 أيار / مايو 2009، إذ يشتبه بأن فنزويلا وبوليفيا زودتا إيران باليورانيوم، ومن هنا تأتي ضغوط وكثافة عامل الجغرافيا السياسية. ولكن هل هذا هو العامل الوحيد والمحدد للسياسة الإيرانية تجاه بلدان أمريكيا اللاتينية، أي الحصول على اليورانيوم، أم هناك عوامل أخرى ؟ وهل المخاوف الإسرائيلية محصورة فقط بالجانب النووي، أم أن للمسألة جونب أخرى؟
يمكن القول إن السياسة الخارجية الإيرانية تتشكل بعدة محددات، تلعب دورا في تشكيلها واتخاذها هذا المنحى وذاك الشكل. فثمة محددات تنبع من البيئة الإقليمية، وأخرى تنبع من البيئة الدولية، وثمة محددات تنبع من الايدولوجيا، والقيادة، والمصلحة القومية التي تؤثر في عملية صنع السياسة الخارجية. وهنا نطرح التساؤلات الآتية نحاول الإجابة عنها في هذا المقال، وهي: ما هي المحددات الرئيسية في توجيه السياسة الإيرانية تجاه منظومة الدول اللاتينية؟
لعبة القط والفأر
لا شك في أن إيران لم تَعُد دولة عادية كباقي دول العالم، لكنها أمست قوة إقليمية لا يستهان بها، وأمست دولة مثيرة للجدل بسياساتها الخارجية وكثافة هذه الأخيرة، وبخاصة أن طهران لم تَعُد تكتفي بمحيطها الإقليمي، بل صارت تسعى لتوطيد علاقاتها مع كل دول العالم، وفي شتى أرجاء الأرض.
وفي ضوء هذه الرؤية، استطاعت إيران أن تنشئ منظومة علاقات دولية في عدة دول مهمة ومحورية في نظام السياسية الخارجية لواشنطن وتل أبيب: فثمة تنافس بين هذه الأطراف الثلاث (إيران، أمريكا وإسرائيل) في جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز، حيث تظهر طهران كمنافس على خط النفوذ الأمريكي والإسرائيلي في هذه الجمهوريات الغنية والقابعة على ثروات هائلة. فكل من واشنطن وتل أبيب تعملان على الحيلولة دون سقوط هذه الجمهوريات الناشئة على أنقاض الاتحاد السوفيتي السابق في يد طهران، ومنع تمدد النفوذ الإيراني هناك. وبالتالي، فمقابل الحضور الأمريكي القوي، نجد أيضا حضورا إيرانيا منافسا وقويا يتحدى نفوذ كلا من واشنطن وتل أبيب.
فالتنسيق العسكري والاستخباراتي الأميركي - الإسرائيلي يبدو جلياً في بعض بلدان آسيا الوسطى ضمن النشاط المضاد ليس فقط لإيران بل أيضا لروسيا والصين. فإسرائيل مثلا تتمتع بعلاقات متينة ووثيقة بأذريبجان وأوربكستان، وجورجيا وتركمنستان، كمنافس لإيران في هذه الدول ودول أخرى تقع ضمن أسيا الوسطي، لأهداف إستراتيجية بالطبع.
وثمة تنافس آخر في أفريقا، فإيران تقوم بتحركات واسعة في القارة الأفريقية بما في ذلك دول حوض النيل، وذلك علي المستوي الثقافي والاقتصادي والسياسي، وهي تسعي لإقامة بعض التكتلات مثل التكتل الأفريقي الآسيوي، كما أن هناك تحركاتٍ إيرانيةً للعب دور محوري في أفريقيا من خلال بعض الدول مثل زيمبابوي.
وكذلك الحال مع إسرائيل، إذ تشكل أفريقيا مجالاً حيوياً لها من الناحية الإستراتيجية، فالدراسات تشير إلى أن هناك أهدافا قديمة للإسرائيليين في أفريقيا وتركز معظمها في إيجاد بيئة محيطة ببيئة الوجود لإسرائيل تضمن هذا الوجود وتدعمه، هذا التواجد الإسرائيلي قد يكون معيناً لا ينضب لما للقارة الأفريقية من مزايا إستراتيجية وثروات طبيعية. لذا، فإسرائيل تتابع بكل قلق تزايد النفوذ الإيراني على مقربة منها ومن الطرق البحرية المؤدية إلى ميناء إيلات، وتحديدا في الدول المشاطئة للبحر الأحمر.
وتحاول إيران وإسرائيل أن تفرضا هيمنة سياسية واستخباراتية على أفريقيا، وخصوصا الساحل الشرقي لأفريقيا المطل على البحر الأحمر عبر بوابة اريتريا. وقس على ذلك في كلٍ من العراق وأفغانستان وغيرها من الدول التي تشهد منافسة إسرائيلية-أمريكية مع إيران.
يبدو من هذا العرض أن ثمة قاعدةً تجرى عليها الأطراف الثلاثة، وهي: فأينما وجدت مواطئ الأقدام الإسرائيلية والأمريكية، لابد من أن يكون ثمة مواطئ للأقدام الإيرانية. العكس أيضا صحيح، أي أينما وجدت إيران يجب أن توجد إسرائيل وأمريكا. ومن هنا توضح لنا هذه القاعدة دوافع السياسية الخارجية الإيرانية تجاه المنظومة اللاتينية: تحدي الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، بغية خلق نقاط للتنافس مع كليهما (أمريكا وإسرائيل) يمكن استغلالها إما في اتجاه الحرب أو اتجاه التسوية.
نحن إذن أمام ل
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ